ابن كثير

306

البداية والنهاية

بشر أراد به إمحاق دينهم * لان دينهم والله ممحوق يا قوم أصبح عقل من خليفتكم * مقيدا وهو في الأغلال موثوق وقد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائل هذا فيؤدبه على ذلك ، فقال : ويحك لو كان فقيها لأدبته ولكنه شاعر فسلت أعرض له . ولما تجهز المأمون للغزو في آخر سفرة سافرها إلى طرسوس استدعى بجارية كان يحبها وقد اشتراها في آخر عمره ، فضمها إليه فبكت الجارية وقالت : قتلتني يا أمير المؤمنين بسفرك ثم أنشأت تقول : سأدعوك دعوة المضطر ربا * يثيب على الدعاء ويستجيب لعل الله أن يكفيك حربا * ويجمعنا كما تهوى القلوب فضمها إليه وأنشأ يقول متمثلا : فيها حسنها إذ يغسل الدمع كحلها * وإذ هي تذري الدمع منها الأنامل صبيحة قالت في العتاب ( 1 ) قتلتني * وقتلي بما قالت هناك تحاول ثم أمر مسرورا الخادم بالاحسان إليها والاحتفاظ عليها حتى يرجع ، ثم قال : نحن كما قال الأخطل : قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم * دون النساء ولو باتت باطهار ثم ودعها وسار فمرضت الجارية في غيبته هذه ، ومات المأمون أيضا في غيبته هذه ، فلما جاء نعيه إليها تنفست الصعداء وحضرتها الوفاة وأنشأت تقول وهي في السياق : إن الزمان سقانا من مرارته * بعد الحلاوة كاسات فأروانا أبدى لنا تارة منه فأضحكنا * ثم انثنى تارة أخرى فأبكانا إنا إلى الله فيما لا يزال بنا * من القضاء ومن تلوين دنيانا دنيا تراها ترينا من تصرفها * ما لا يدوم مصافاة وأحزانا ونحن فيها كأنا لا يزايلنا * للعيش أحيا وما يبكون موتانا كانت وفاة المأمون بطرسوس في يوم الخميس وقت الظهر وقيل بعد العصر ، لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب من سنة ثماني عشرة ومائتين ، وله من العمر نحو من ثمان وأربعين سنة ، وكانت مدة خلافته عشرين سنة وأشهرا ، وصلى عليه أخوه المعتصم وهو ولي العهد من بعده ، ودفن بطرسوس في دار خاقان الخادم ، وقيل كانت وفاته يوم الثلاثاء ، وقيل يوم الأربعاء لثمان بقين من هذه السنة . وقيل

--> ( 1 ) في ابن الأعثم 8 / 333 : عشية قالت يا حبيبي . . .